إخوان الصفاء
195
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
كانت متساوية في الطول ، مختلفة في الغلظ ، كانت أصوات الغليظ أغلظ وأصوات الدقيق أحدّ ؛ وإن كانت متساوية في الطول والغلظ ، مختلفة في الخرق ، كانت أصوات المخروقة حادّة ، وأصوات المسترخية غليظة ؛ وإن كانت متساوية في الغلظ والطول والخرق ، مختلفة في النّقر ، كان أشدّها نقرا أعلاها صوتا . واعلم بأن الأصوات الحادّة والغليظة متضادّان ، ولكن إذا كانت على نسبة تأليفيّة ائتلفت وامتزجت واتحدت ، وصارت لحنا موزونا ، واستلذّتها المسامع ، وفرحت بها الأرواح ، وسرّت بها النفوس ؛ وإن كانت على غير النّسبة تنافرت وتباينت ، ولم تأتلف ولم تستلذّها المسامع ، بل تنفر عنها وتشمئزّ منها النفوس ، وتكرهها الأرواح . والأصوات الحادّة حارة تسخّن مزاج أخلاط الكيموسات « 1 » الغليظة وتلطّفها . والأصوات الغليظة باردة ترطّب مزاج أخلاط الكيموسات الحارّة اليابسة . والأصوات المعتدلة بين الحادّة والغليظة تحفظ مزاج أخلاط الكيموس المعتدل على حالته كيلا يخرج عن الاعتدال . والأصوات العظيمة الهائلة الغير المتناسبة إذا وردت على المسامع دفعة واحدة مفاجأة ، أفسدت المزاج وأخرجت عن الاعتدال ، وتحدث موت الفجأة ، ولها آلة صناعية كان اليونانيون يستعملونها عند الحروب ، ويفزعون بها نفوس الأعداء ، ويسدّ النافخون فيها آذانهم عند استعمالها وتحريكها . والأصوات المعتدلة المتّزنة المتناسبة تعدّل مزاج الأخلاط ، وتفرّح الطبّاع ، وتستلذّ بها الأرواح ، وتسرّ بها النفوس .
--> ( 1 ) الكيموسات : جمع الكيموس ، وهو الخلط أو الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه ، يونانية معرّبة .